حسن الأمين
336
مستدركات أعيان الشيعة
النية ككل ما كتبه ( لامانس ) اليسوعي البلجيكي ( 1 ) ، والأخطاء التي كان الدافع إليها الجهل وقلة الاطلاع مما كتبه غيره من المستشرقين . ورأيت أن مترجمي دائرة المعارف إلى اللغة العربية قد علقوا على الأخطاء المتعلقة بغير الشيعة بما يصححها ، وتركوا الأخطاء المتعلقة بالشيعة بدون أي تعليق ما عدا تعليقا واحدا للشيخ أحمد محمد شاكر في بحث التقية كان منصفا فيه كل الإنصاف . بل أن بعض المعلقين المصريين لم يكتفوا بشرور المستشرقين ، بل زادوا تلك الشرور شرورا بما افتروا به في تعليقاتهم عن الشيعة . والعجيب فيهم أنهم استعانوا ببعض شيوخ الخوارج كالشيخ إبراهيم طفيش ليعلقوا على ما كتب بشأن الخوارج ، ولم يفكروا بالاستعانة ببعض علماء الشيعة ليعلق على ما كتب بشأن الشيعة ، مع أن ما كتبه لامانس وغير لامانس عن الشؤون الشيعية وعن رجال الشيعة هو الأحق بالتعليق لفظاعة ما فيه وعظم افتراءاته . هذا فضلا عن مواضيع شيعية يجب أن تكتب وتبحث في دائرة المعارف ، ولكنها لم تكتب ولم تبحث . وعند ما أخذت في تدوين تعليقاتي وجدت أنه قد تجمع لدي مادة غزيرة فحرت كيف أنشرها ، وأخيرا قررت أن أصدر ( دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ) ، فصدرت وطبعت حتى الآن ثلاث طبعات . وهنا لا بد من الرد على الذين ظلوا يأخذون علي تخصيصي المواضيع الشيعية التاريخية بالعناية ، ويرون في ذلك أمرا مذهبيا ، وأكتفي في الرد عليهم بإعادة نشر مقطع من الحديث الطويل الذي أدليت به لمجلة ( العالم ) ، وهو المقطع المتعلق بهذا الموضوع وهو : وهنا لا بد لي من أن أشير إلى من طالما اعترضوا على اندفاعي للدفاع عن حقائق اعتبروها شيعية ، ورأوا في ذلك اتجاها مذهبيا . لهؤلاء أقول : أن الدفاع عن تلك الحقائق لم يكن لأنها شيعية ، بل لأنها حقائق ، مجرد حقائق زيفها المزيفون جهلا أو عمدا ، فكان دفاعي عن الحقيقة وحدها . والدليل على ذلك أني دافعت بنفس الحماسة والاندفاع عن حقائق زيفت ولم يكن لأصحابها علاقة بالشيعة كحقيقة الملك المظفر قطز بطل معركة عين جالوت . ففي أذهان الناس جميعا أن قائد المعركة هو الظاهر بيبرس . وآخر ما قرأته من ذلك كتاب فيليب حتى وآخر ما سمعته من أسابيع هو قول أستاذ تاريخ في بلد عربي ، سال المتسابقين في التلفزيون عن اسم قائد معركة عين جالوت فعجزوا عن الإجابة ، فقال لهم : هو الظاهر بيبرس . وهذا القول لا نصيب له مطلقا من الحقيقة التاريخية . ومن المؤسف أن كل ما يتعلق بمعركة عين جالوت قد شوه تماما . والذي قاد المعركة بل الذي لولاه لما جرت أصلا ليس الظاهر بيبرس أنه الملك المظفر قطز . والواقع أنني لم أتحمس لأحد كما تحمست للملك المظفر قطز ولم أكتب عن أحد أربع مقالات كما كتبت عنه وهو ليس بشيعي ولا علاقة له بالشيعة . بل لأن هذا الرجل ظلمه التاريخ والمؤرخون بصورة فظيعة . لقد أهملوه تماما في حين أنه هو الذي لولاه لما جرت معركة عين جالوت وهو الذي قادها وهو الذي انتصر فيها ! . وهذا مثل على تزوير الحقائق التاريخية وعلى ظلم المؤرخين للرجال من أمثال الملك المظفر قطز . وأنا عندما تبينت لي هذه الحقائق التي أوردها على سبيل المثال كان لا بد من أن أتحمس للملك المظفر قطز وإعادة الاعتبار إلى موقفه وقراره وقيادته وانتصاره في معركة عين جالوت . مع أنه - كما قلت - ليس بشيعي فالانتصار للحقيقة وحده هو الدافع . بشارة الخوري في مذكراته نشر بشارة الخوري مذكراته باسم ( حقائق لبنانية ) ، وقد حاول في هذه المذكرات الظهور بمظهر البطل ، ولكنه عجز عن إخفاء الحقائق ، فلا بد له من الاعتراف بان الفرنسيين اختاروه أداة لتنفيذ سياستهم الاستعمارية في البلاد فعينوه أمينا عاما لحكومة لبنان ، وهو يعترف بان لا قيمة لما يقرره إذا لم يوافق عليه حاكم المنطقة الفرنسي الكولونيل نياجر . وعند ما يصل إلى ذكر اعتقال الفرنسيين لأعضاء مجلس الإدارة الذي كانوا حقيقة طلاب استقلال ، ورأوا بصفتهم النيابية الممثلة للشعب اللبناني تمثيلا صحيحا أن يجاهروا بطلب هذا الاستقلال وأنهم غير مستطيعين ذلك في ظل الحراب الفرنسية في وطنهم ، فقرروا التسلل إلى دمشق ومنها إلى حيفا ليركبوا البحر إلى أوروبا مطالبين بالاستقلال فاكتشف الفرنسيون أمرهم فاعتقلوهم . عندما يصل بشارة الخوري إلى ذكر هذه الحادثة - وكان يوم ذاك في خدمة الفرنسيين أمينا عاما لحكومة لبنان - يقول : « اطلعت على الوثيقة التاريخية التي ضبطت مع الأعضاء المعتقلين ، ولا شك أني كنت أوقع عليها بيدي لولا احتواؤها على وجوب الخروج من لبنان والتوجه إلى دمشق لملاحقة المطالب الواردة فيها مما يثير اللبس » . بمثل هذا الدجل يريد بشارة الخوري أن يبرر خدمته للاستعمار الفرنسي في الوقت الذي كان الأحرار يناضلون من أجل الاستقلال . ونحن نقول له : وما ذا منعك من أن توقع وثيقة أخرى لا تحتوي على وجوب الخروج من لبنان وتواجه بها الفرنسيين وأنت في بيروت دون الذهاب إلى دمشق ؟ ! . إن الذي منعك أنك كنت في خدمة الفرنسيين ورجلا من رجالهم المؤتمرين بأمرهم والمنفذين لسياستهم .
--> ( 1 ) كتب فردينان توتل اليسوعي في العدد الصادر في 20 / 5 / 87 من جريدة النهار البيروتية بمناسبة مرور خمسين سنة على وفاة لامانس ما يلي : « كتب الأب هنري لامانس ( 1862 - 1937 ) عن رجال الحملات الصليبية فذكر الفلمند أجداده من شدوا الرحال إلى الأراضي المقدسة جنودا وأمراء وخرجوا من سهول الشمال البلجيكي ، فهجروا الآل وتركوا المال وتفرقوا ، ووجهتهم الجهاد في سبيل الله واليوم الآخر . وإن تلك العاطفة النبيلة التي دفعت السواد الأعظم من رجال الغرب إلى قبر المسيح إنما هي التي دبت في قلب الفتى ، وأوحت إليه التضحية بحياته وبما فيها من مواهب من بها الرحمن عليه ، ليسير جنديا ، لا بالسيف والرمح ، شان الصليبيين ، ولكن بالقلم ، فيفتح فتوحات العلم « ( انتهى ) . هذا ما كتبه اليسوعي فردينان توتل عن اليسوعي لامانس . ولم يكن كلام أصدق في وصف مهمة لامانس من هذا الكلام . فالمهمة التي جرد الصليبيون سيوفهم لتحقيقها ، هي المهمة نفسها التي جرد لامانس قلمه لتحقيقها . ومن ذلك جميع ما كتبه في دائرة المعارف الإسلامية .